الخميس، 25 سبتمبر 2008

ما تتخطبي و لا تتجوزي بقى و ريحينا!



"شايفة فيبي و سيلفي و كارولين* " قالت لي صديقتي بحسرة "دخلوا عملوا فيها خادمات** و شنكلوا كام واحد و اتجوزوهم "



"و احنا مالنا..براحتهم"



"يعني ايه احنا مالنا...اما ناس زي دول يتجوزوا امال احنا نعمل ايه...الخيبة اللي احنا فيها دي مش نافعة...ما تتلحلحي شوية و متبقيش بروتة"



"اعمل ايه يعني؟"



"الظاهر احنا الغلطانين...لازم نتنحنح و نيناونوا علشان الولاد يعرفوا ان احنا بنات...البساطة و التلقائية مش نافعة...لازم نكون" بنات ربنا "زي فيبي و سيلفي و كارولين....كل اسبوع في اجتماع الكنيسة ملتزمين بيه..و لازم نحسس الولاد اننا بنات و ان اهلنا هيعلقونا لو اتاخرنا عن الساعة 10...الاحترام واجب بردو...و نقول ياي و يع وايف او يغم علينا لما نشوف ولد بهدوم مقطعة بيشحت...و لما يجوا يهزروا معانا نكشر و نقولهم " يا جماعة بليز، بلاش الهزار ده"... احنا مش محسسنهم اننا بنات..احنا Independent و الولاد يحبوا البنات يكونوا Dependent كل ما كنتي كدة كل ما هو شعر برجولته و انه مفتول العضلات...لازم نمثل..الرجالة المصريين بيحبوا البنات اللي مش على طبيعتها..لازم نحط وش تاني..فاكرة صاحبتنا انجي* لما قالتلنا انها ساعات بتحب تأنجج خطيبها او تمسك ايده و بتتكسف تعمل كدة ليقول عليها مش محترمة؟ مع انه عارفها و عارف اخلاقها كويس و بقالهم مع بعض 3 سنين...خلي التلقائية دي ليكي...انا زهقت خلاص..الغلط صح و الصح غلط"

Cut

عايزك تلاحظي العربيات الجامدة اوي" قال لي ذات مرة " و تشوفي زوجة الرجل صاحب العربية ...هتلاقيها صاروخ...مش عادية و لا متوسطة الجمال..صاروخ! و جوزها مش مهم شكله عامل ازاي..ممكن يكون عامل زي البغل..مش فارقة"
كنا نتحدث عن الزواج في مصر و ملاحظتنا من واقع خبراتنا و ما نسمعه و نراه...و توصل صديقي من خلال ملاحظاته للسيارات و من بداخلها بالحي الراقي جدا الذي يعيش فيه الي هذا الاستنتاج: طالما الرجل يدفع كثيرا فمن حقه ان يحصل على الافضل..صاروخ !!( مش بيتعب و يشقى علشان ياخد بضاعة اي كلام)

Cut


كنت اتدرب باحد المراكز التي تقدم خدمة الكورسات مقابل اسعار معقولة..قابلت هناك مدرسا افريقيا...ربما كاميروني الجنسية...لا اذكر...المهم، كنا نتحدث الي ان وصل بنا الحديث الي موضوع الزواج المصري فحدثني ذلك المدرس عن صديقه المصري الذي يشكو من زوجته و انه انخدع و يندم اشد الندم لانه تكلف الكثير من المال "فيها" و اكتشف انه لا تصلح له(على اساس انها عربية) . اشتطت غضبا في بادىء الامر و لكنني تماسكت و حاولت ان اوضح له ان ليس كل المصريين بهذه العقلية و ان هناك من ينظر الي الزواج من منظور اخر اكثر انسانية و اكثر احتراما. و اوضحت له ان صديقه اخطأ هو الاخر لعلمه ان العملية اخذت محنى البيع و الشراء و لكنه مضي قدما و قَبِل ان يتزوج و يشترى عواطف زوجته...فلو فعلا كان يريد زواجا انسانيا لكان رفض ان يستمر في تلك المهزلة.و كان المدرس يرمي من حين الي اخر الي نقطة تسيطر على تفكيره و هي : طالما المصريون يتزوجون من اجل اشباع رغبة جسدية و الزواج-كما هو معروف-مكلف جدا، فلماذا يتزوجون.؟..بامكانهم ان يفعلوا ذلك الشيء خارج نطاق الزواج بدون تكلفة! قلت له انه هو الاخر ينظر الي "التكلفة"...اردت ان اكمل حديثي لولا تدخل مدرسة بحديثها عن تقاليدنا الشرقية و اخلاقنا العالية! (واضح فعلا بدليل ان زوج بيحكي مشاكله الزوجية و يشييء زوجته امام شخص غريب..اخلاق فعلا)

Cut

تتصل بي مرة كل اربعة شهور على الاكثر و الغرض ليس حبا فيّ و لكن من اجل مصلحة ما او سؤال عن شيء...تسألني ذلك السؤال المعهود " مفيش جديد...مفيش حد بيتقدملك؟" و كل مرة اوضح لها انه برغم وجود من يتكرم بترشيحي عروسا لاحدهم..او ترشيح احدهم عريسا لي الا انني لا احب الزواج بهذه الطريقة...و ينتهي الحديث و ادعو ان تكون فهمت هذه المرة.اذكر تماما ما دار بيننا في المحادثة الاخيرة ليس بسبب اختيارها لموضوع اكثر تشويقا لنتحدث فيه...و لكن لارتفاع ضغطي و علو صوتي الي حد ما....لم اتمالك نفسي عندما قالت لي " ما تتخطبي و تتجوزي بقى و ريحينا"..." "اريحك من ايه؟ هو انتي بتصرفي علية و لا انا قاعدة فوق راسك؟...ليه مش مصدقة ان مش كل الناس بتفكر بنفس الطريقة؟ انا مش عايزة اي حد و السلام علشان اخد اللقب (مخطوبة ثم مدام)" كدت ان اكمل و اقول لها " انا عايزة انسان" و لكنني تراجعت لانني اعلم انها لن تفهم ابدا..صمت الكلام ...وضعت سماعة التليفون ثم اسرعت الي غرفتي لاحتضن نفسي بداخلها...ليتني اسكت تلك الاصوات بداخلي...يرمون بالكلام ظانين انهم على صواب..و مادام انهم على صواب من حقهم ان "ينصحوا" و يرشدوا المختلين عقليا الذين تجرأوا و كسروا قاعدة اجتماعية كبرى مقدسة. ليتهم يحتفظوا ب" نصائحهم" ودعواتهم لانفسهم..بعض الدعوات تجرح..كالدعوة للعاقر ان تلد...فهي مع كل دعوة لها تموت و تحيا على واقع مرير...فلتدعو في سرك اذن اذا كنت فعلا تقصد خيرا.

Cut

رأيت اليوم هذا الاعلان الهائل ذا الغرض النبيل و انا في عربة المترو فقررت ان اصوره للذكرى الخالدة...ربما بعد مرور عشرين سنة ادرك اين كنا و الي اين ذهبنا و ما سبب هذا و ذاك..ربما بعد مرور عشرين عاما استطيع الملم شتات لعبة ال " Puzzle " و اتمكن من تكوين صورة واضحة المعالم.


* تم تغيير الاسماء للخصوصية

** خادمات في المجتمع الكنسي يعني بنات-سيدات يقمن بعمل انساني تطوعي كالقاء الدروس الدينية او خدمة ايتام او مؤتمرات الخ


الجمعة، 19 سبتمبر 2008

لـحـظـات بعـث و مـيـلاد

1

رغبة تتجدد كل يوم... اتوق الي حضور احدى محاضراتها...ليست محاضرات بالمعنى التـقليـدي...بل هي حالة ذهول و جوع لا ينسد...حالة لا استطيع وصفها و لكنني ساحاول: اجلس مثبتة بمقعدي...كل حـواسي يقـظـة...هي تتحدث بتـلقـائيـة..تؤثـرك ...تشـعر انك تحت تأثير تنـويم مغناطسي ...تشعـر بالامتلاء الذهـني و الروحـي عندمـا تقوم بشـرح القصيـدة...و لـكنـه امتلاء غريب...كلما اخذت كلما زاد عطشك...اذكر تلك المحاضرة التي كانت تتحدث فيها عن المدرسة الرومانسية في الشعر الانجليزي....طلبت منّا ان نغمض اعيننا للحظات...سكون..و نتعرف على الافكار و نتأمل الرؤى التي تراودنا في تلك اللحظات....اذكر ايضا عندما طلبت من كل منا ان يتأمل جو الكنيسة بعد انصراف المصلين اجمعين....سكينة و هدوء...اكاد اشتم رائحة البخور العالقة...كانت تحدثنا عن سجادة الصلاة...و هي ليست فقط سجادة منسوجة من الصوف نفرشها عدة مرات في اليوم...بل هي وسيط يوصل روحنا بالله...و يتلاشى ذلك الوسيط عندما يغمرنا ذلك اللقاء الروحي...فنحن لا نشعر باجسادنا في تلك الحظات...بل بارواحنا تعلو لتعانق العليّ و تذوب فيه.

البعض ينعـتـها بالـجنون...حقـا، بعضهم شديد الحمق حتى انهم يضيعون لحظات بعث في زمن نموت فيه ببطىء يوما بعد يوم...القليل منهم كان يتشبث بتلك لحظات البعث...اتشبث الي ان يحين وقت الانصراف...احتاج ان يوغزني احدهم كي افيق من ذلك الحلم...

كانت تطلب منا ان نقرأ قصيدة المحاضرة التالية وان نُحضّر لستة بالكلمات (Dictionary work)...كنت اعتقد انها تقـصد الكلمات الصعـبة التي لم تورد علينا من قبل..و لكنها عنيت كل كلمة...لستة بكلمات تبدو مألوفة جدا لنا و لكنني اصدم عندما اكتشف ان الكلمات المألوفة جدا لها معان اخرى...الشاعـر لا يقصد المعاني المألوفة جدا...تعـلمت اول درس!
روت لنا حـادثة ادهشتني و ما زالت تدهشني...اشارت فيها (و لكنها لم تصرح) الي حواسنا الخادعة...و ان اقصاء اي شيء لا تستوعبه حواسنا البشرية قد يكون مضللا.باختصار، ابتاعت معلمتي ساندونش شاورمة(على ما اعتقد) و كانت لـديهم قـطـة..فاعطتها قطعة من الساندوتش فابت القطة تماما ان تأكلها..حاوـلت معلمتي معهـا مرة اخرى..و لكن الـقطـة اصرت على امتناعها...و في اليوم التالي ذهبت معلمتي الي المستشفى حيث تبين ان اللحم كان فاسدا....دقة حواس قطة تفوق حواسنا...حاسة شم معلمتي لم تسعفها....نفتخر بعقولنا و قدرتنا على التمييز...و ان لم تستوعب عقولنا شيئا ما فهو بالضروري شيء غير منطقي...غير كائن...ذلك ما اسـتـنتـجتـه أنا...القصور البشري.

لم يسعنى الا ان ابتسم ابتسامة عريضة عندما رأيتها بالمترو! انا اعرف انها تمتلك سيارة فخمة(لا اعرف نوعها لانني لا اكترث) ....رأيتها تغادر المترو بابتسامة ملء الفم...كانت تفرد ذراعيها كأنها مستعدة ان تطير كفراشة ملونة....لا تحمل اي شيء..لا حقيبة نسائية..لا حقيبة عمل تضع فيها اغراضها...لا شيء على الاطلاق...ما زلت اعتقد انها استقلت تلك الوسيلة فقط كي لا تشعر بانفصالها عن اغلبية الناس...كي تشعر بدفء...لم تدع مركزها المادي و الاجتماعي المرموق يمناعها من الدفء و التلامس مع الناس... قرأت ذلك في عينيها.... تلك المرأة زادتني عمقا..علمتنى ان اغوص في باطن الأشياء..."لقائي" بها كان محنى هاما جدا بحياتي...لقاء روحي لا ينسى يوقظ شيئا بالداخل...
لقاء ينبش العقل و يقشط طبقات الصدأ .