1
رغبة تتجدد كل يوم... اتوق الي حضور احدى محاضراتها...ليست محاضرات بالمعنى التـقليـدي...بل هي حالة ذهول و جوع لا ينسد...حالة لا استطيع وصفها و لكنني ساحاول: اجلس مثبتة بمقعدي...كل حـواسي يقـظـة...هي تتحدث بتـلقـائيـة..تؤثـرك ...تشـعر انك تحت تأثير تنـويم مغناطسي ...تشعـر بالامتلاء الذهـني و الروحـي عندمـا تقوم بشـرح القصيـدة...و لـكنـه امتلاء غريب...كلما اخذت كلما زاد عطشك...اذكر تلك المحاضرة التي كانت تتحدث فيها عن المدرسة الرومانسية في الشعر الانجليزي....طلبت منّا ان نغمض اعيننا للحظات...سكون..و نتعرف على الافكار و نتأمل الرؤى التي تراودنا في تلك اللحظات....اذكر ايضا عندما طلبت من كل منا ان يتأمل جو الكنيسة بعد انصراف المصلين اجمعين....سكينة و هدوء...اكاد اشتم رائحة البخور العالقة...كانت تحدثنا عن سجادة الصلاة...و هي ليست فقط سجادة منسوجة من الصوف نفرشها عدة مرات في اليوم...بل هي وسيط يوصل روحنا بالله...و يتلاشى ذلك الوسيط عندما يغمرنا ذلك اللقاء الروحي...فنحن لا نشعر باجسادنا في تلك الحظات...بل بارواحنا تعلو لتعانق العليّ و تذوب فيه.
البعض ينعـتـها بالـجنون...حقـا، بعضهم شديد الحمق حتى انهم يضيعون لحظات بعث في زمن نموت فيه ببطىء يوما بعد يوم...القليل منهم كان يتشبث بتلك لحظات البعث...اتشبث الي ان يحين وقت الانصراف...احتاج ان يوغزني احدهم كي افيق من ذلك الحلم...
كانت تطلب منا ان نقرأ قصيدة المحاضرة التالية وان نُحضّر لستة بالكلمات (Dictionary work)...كنت اعتقد انها تقـصد الكلمات الصعـبة التي لم تورد علينا من قبل..و لكنها عنيت كل كلمة...لستة بكلمات تبدو مألوفة جدا لنا و لكنني اصدم عندما اكتشف ان الكلمات المألوفة جدا لها معان اخرى...الشاعـر لا يقصد المعاني المألوفة جدا...تعـلمت اول درس!
روت لنا حـادثة ادهشتني و ما زالت تدهشني...اشارت فيها (و لكنها لم تصرح) الي حواسنا الخادعة...و ان اقصاء اي شيء لا تستوعبه حواسنا البشرية قد يكون مضللا.باختصار، ابتاعت معلمتي ساندونش شاورمة(على ما اعتقد) و كانت لـديهم قـطـة..فاعطتها قطعة من الساندوتش فابت القطة تماما ان تأكلها..حاوـلت معلمتي معهـا مرة اخرى..و لكن الـقطـة اصرت على امتناعها...و في اليوم التالي ذهبت معلمتي الي المستشفى حيث تبين ان اللحم كان فاسدا....دقة حواس قطة تفوق حواسنا...حاسة شم معلمتي لم تسعفها....نفتخر بعقولنا و قدرتنا على التمييز...و ان لم تستوعب عقولنا شيئا ما فهو بالضروري شيء غير منطقي...غير كائن...ذلك ما اسـتـنتـجتـه أنا...القصور البشري.
لم يسعنى الا ان ابتسم ابتسامة عريضة عندما رأيتها بالمترو! انا اعرف انها تمتلك سيارة فخمة(لا اعرف نوعها لانني لا اكترث) ....رأيتها تغادر المترو بابتسامة ملء الفم...كانت تفرد ذراعيها كأنها مستعدة ان تطير كفراشة ملونة....لا تحمل اي شيء..لا حقيبة نسائية..لا حقيبة عمل تضع فيها اغراضها...لا شيء على الاطلاق...ما زلت اعتقد انها استقلت تلك الوسيلة فقط كي لا تشعر بانفصالها عن اغلبية الناس...كي تشعر بدفء...لم تدع مركزها المادي و الاجتماعي المرموق يمناعها من الدفء و التلامس مع الناس... قرأت ذلك في عينيها.... تلك المرأة زادتني عمقا..علمتنى ان اغوص في باطن الأشياء..."لقائي" بها كان محنى هاما جدا بحياتي...لقاء روحي لا ينسى يوقظ شيئا بالداخل...لقاء ينبش العقل و يقشط طبقات الصدأ .

